08 mai 2008
كلاش فناير
قشلة يقوم بكلاش للفنايرمن خلال اغنية يد المحنة
19 avril 2008
أسرار مراكش
مقدمة خوان غويتسولو
ياسين عدنان وسعد سرحان
يعلنان أسرار مراكش في كتاب جديد
ياسين عدنان وسعد سرحان
مراكش: أسرار معلنة
نص أدبي مشترك لياسين عدنان وسعد سرحان
حول مراكش
من تقديم خوان غويتيسولو
صدر مؤخراً عن دار مرسم للنشر بالرباط نص أدبي مشترك للشاعرين المغربيين ياسين عدنان وسعد سرحان تحت عنوان (مراكش: أسرار معلنة) في طبعة مزدوجة باللغتين العربية والفرنسية. هذا النص المفتوح جاء على شكل محاولة لرسم ملامح مدينة شعرية افتراضية تتقاسم الكثير من الأسرار مع مدينتهما مراكش وذلك من خلال نصوص يتداخل فيها الشعر بالنثر، التأمل بالحكي، الواقع بالأسطورة. أسطورة مراكش التي يعيد الشاعران تشكيل ملامحها في كتابة تُسائل الخطابات السياحية، السهلة والساذجة، التي تنتجها بعض الأقلام الصحافية والأدبية المتسرعة خصوصا باللغة الفرنسية عن المدينة، كما تزايد على هذه الخطابات بإلقاء المزيد من ظلال الغموض على مدينهم الساحرة، وكذا بالإسراف في الشعر ولغة الشعر. إن مراكش في الكتاب تتحول إلى عروس لغوية، وإلى قصيدة. وكلّ الأسرار التي وعد الشاعران بإعلانها في إصدارهما الأدبي الجديد لم تكن معلومات تاريخية ولا معطيات تُعمِّق المعرفة بالمكان. كانت ومضات شعرية واستعارات تخلق لدى القارئ المزيد من الالتباس. في (مراكش: أسرار معلنة) نكتشف مراكش أخرى. خريطة سرية للمدينة لا تُدرَك إلا حدساً. جسد مراكش الذي لا يمكن أن يناله مَن يزور المدينة بخريطة سياحية في اليد.
أسرار مراكش كما يقترحها علينا ياسين عدنان وسعد سرحان جاءت في عشرة فصول: واحة الحكايا البتراء، فخامة النخل، مسام المدينة، وحواسها أيضاً، سوق الاستعارات، أسرار معلنة، مراكش بنت بغداد، الوصايا الصارمة، بازار بابل، ومكتبتها أيضاًً. ولأن الكتاب صدر في طبعة مزدوجة اللغة، بالعربية والفرنسية، فقد احتاج إلى غلافين وإلى لوحتي غلاف كانتا من إنجاز الفنان التشكيلي المغربي محمد نبيلي. مع العلم أن دار مرسم أصدرت أيضا (حافظة فنية / بورت فوليو) ضمَّت مقتطفات من الكتاب الأصلي إضافة إلى ست لوحات لمحمد نبيلي دائماً يستعيد فيها أسرار مراكش عبر الفرشاة هذه المرة، وذلك في طبعة فنية فاخرة. أما ترجمة الكتاب إلى الفرنسية فقد أنجزها الأستاذان الشاعر باللغة الفرنسية عبد القادر هجام والدكتور حميد جسوس أستاذ الترجمة بكلية الآداب بفاس.
كتاب (مراكش: أسرار معلنة) جاء أيضاً لتكريس صداقة أدبية وإنسانية جمعت الشاعرين ياسين عدنان وسعد سرحان منذ أواخر الثمانينات، قبل أن يُصدرا معاً مجلة (أصوات معاصرة) من مراكش سنة 1991 ثم (الغارة الشعرية) فيما بعد. وجاءت أسرار مراكش لتعلن عن مدى عمق هذه الصداقة التي اتخذت لها من مراكش موطناً ومقاماً، ذريعةً وفضاء إبداع. وربما الإقامة في مراكش تعتبر أول أسرار الكتاب المعلنة. وفي هذا الإطار، يعتبر الأديب الإسباني الكبير خوان غويتيصولو الذي كتب مقدمة الكتاب بأن مراكش طالما وُصِفت من قِبل زوارها الأجانب أكثر مما وصفت من قبل أبنائها. مضيفاً أن لا حاجة للمراكشيين إلى وصف مدينتهم بحكم اعتيادهم عليها وتعرّفهم اليومي على قسماتها. لذا فقد جاء هذا الإصدار الاستثنائي مفاجئاً لصاحب (المقبرة) و(أسابيع الحديقة) الذي يضيف: »لقد شعرْتُ بمتعة أكيدة وأنا أتصفح هذا الكتاب/القصيدة، المليء بمفاجآتٍ وفخاخٍ نصبها ياسين عدنان وسعد سرحان ضدّاً على ما تُرهقنا به كلّ الدلائل السياحية من صور مسكوكة ومُسَلمات. لقد توصل الشاعران، بطريقتهما الخاصة، إلى ما استخلصه الكاتب الكبير والتر بنيامين، بخصوص الممرات الباريسية المسقوفة التي احتفى بها شارل بودلير: "إن تيه المرء داخل مدينة، مثل تيهه داخل غابة، يتطلب تربية معينة".
إذ هاهي مراكش تستسلم أخيراً للحكي عبر صوتيهما. فهنيئا لهما. «
النص الكامل لتقديم خوان غويتيصولو لكتاب
(مراكش: أسرار معلنة)
طالما وُصِفت مراكش من قِبل زوارها الأجانب أكثر مما وصفت من قبل أبنائها. قد يبدو الأمر غريباً، لكنه ليس كذلك. إن الزائر المرهَف) الذي تجود به الأقدار أحياناً (!لَـيُقْبل على النّص-الطّرس الذي تُشكله المدينة بما يصحب الرؤيةَ والنظرة البكر من جدّة وغضاضة: إنه، رغم إنصاته لأصوات المدينة، دونما فهمٍ مثلما حدث لإلياس كانيتي، يلتقط الـتمَـيّز المراكشي والفضاء السرّي لهذه الحاضرة الفريدة كمن يجسّ نبضاً دائم الخفقان.
لا حاجة للمراكشيين إلى وصف مدينتهم بحكم اعتيادهم عليها وتعرّفهم اليومي على قسماتها. ينبغي لهم اختراق رتابة اليومي إذن ليرسموا صورتها المُتشابكةَ الخطوط، الطافرةَ من حال إلى حال، بعيداً عن الأحكام الجاهزة للسائح المبتذل القادم من مجتمعاتنا الاستهلاكية البلهاء. ينبغي ذلك الاختراق للتعبير عن تَجَسم أصوات المدينة وتَعدد نواميسها، وللإحاطة أيضاً بتلك الحيوية الشرسة والزاخرة التي تباغت المسافر متى وطئت قدماه تراب الحمراء، مدينة الرجالات السبع الذين يدرؤون عنها) إلى أيّ أمدٍ؟( أخطار حداثة منفلتة تتهدّدها.
"كيف السبيل إلى وصف ما أحدثه الفضاء؟" بهذا السؤال واجهني، منذ ثلاثين عاماً، ذلك العالمَ الصغير المدهش الذي يُحيلنا كلُّ حجر وكل شخص، بين ظهرانيه، على ماض يجترحه الخيال... على هذا السؤال يُجيبنا النص البالغ الجمال »مراكش: أسرار معلنة« لياسين عدنان وسعد سرحان. من خلال كلمات المؤلفَين تتحول حياة المدينة إلى نوع من الممارسة المشتركة للكتابة، وإلى فضاءٍ يمور بالجلبة والأصوات، وملكوتٍ لللااحتمال حيث نجد من الحقيقة ما يعادلها من الاختلاق. وإذ يتساءل السائر المتجول: "كيف نفتتح المدينة؟ وأي خريطة خرساء تستطيع أن تضم هذي الدروب وهذي الأزقة، هذي الساحات وهذي الأسواق التي تصرخ بكل ما أوتيت من أصوات الحياة؟". يجيب صاحبا الكتاب بعبارات دقيقة تتواشج قصيداً ينقل جهراً حكايا المدينة وأساطيرَها، وكذا الهيجان السديمي لأزقةٍ مَتاهيةِ الامتداد، حيث "تكاد بوصلة الوقت تُجنّ ويكاد موشورُها يَعشى".
لقد شعرْتُ بمتعة أكيدة وأنا أتصفح هذا الكتاب–القصيدة، المليء بمفاجآتٍ وفخاخٍ نصبها ياسين عدنان وسعد سرحان ضدّاً على ما تُرهقنا به كلّ الدلائل السياحية من صور مسكوكة ومُسَلمات.
"مراكش ليست مدينة للكتابة، إنها مدينة للحكي. ومن أراد أن يحكي المدينة، فليتزوّد من غريبِ مكتبتها [...] الأزقةُ الردهاتُ، والدكاكينُ الرفوفُ".
لقد توصل الشاعران، بطريقتهما الخاصة، إلى ما استخلصه الكاتب الكبير والتر بنيامين، بخصوص الممرات الباريسية المسقوفة التي احتفى بها شارل بودلير: "إن تيه المرء داخل مدينة، مثل تيهه داخل غابة، يتطلب تربية معينة".
فهنيئاً لهما! إذ هاهي مراكش تستسلم أخيراً للحكي عبر صوتيهما.
خوان غويتيصولو
مقطع من الكتاب (1)
كيف نفتتح المدينةَ، كيف نتهجَّى كتابها الآسر؟
وأيّ هذي الأقواس نعبُر صوبَ الفتنة الأكيدة؟
أقواسٌ شامخةٌ
أقواس ساهرة على أبواب الغواية
أقواس عزلاء إلى حين.
أقواسٌ.. وأقواس..
لكنها جميعا تؤدي إلى الفخاخ الذهبية نفسها التي أحكم نصبها -قبل ألف عامٍ تقريباً- أجدادٌ حذقون وحريصون أيما حرص على أن تستمر اللعبة / الغوايةُ لأطول وقت ممكن، وكذلك على جعل المدينة تنبض أبداً بذلك البريق الثّرّ الذي خلّفته أزاميلهم البارعة بعد أن فرغوا من نحت قسماتها بعناية وتأنٍ واضحين. لذلك تركوا وصية إخفاء الفخاخ تلكَ بلهجة صارمة جعلت الأحفاد من بعدهم يتوارثونها بالقسطاس ويطبقون بنودها حرفاً حرفاً ضماناً لاستمرارية حكمتها الماكرة: الإيقاع بالوافد على المدينة في أسر الدهشة والافتتان.
كيف نفتتحُ المدينةَ.. كيف نتملّى ثراءَها السافر؟
منذ البوابة يشتدُّ النداء.
إنها دعوة كريمة إلى الداخل حيثُ:
كلُّ شبرٍ سرٌّ،
وكل خطوةٍ جذوةٌ
تمتصّكَ
صوب
الأعماق.
هكذا تهوي أفقياً نحو حرارة المتعة مروراً بدفء الاكتشاف.
إنها الدعوة المفخخة التي تورطك في المتاهة.
إنها المتاهةُ القصوى. فهي ليست محض مكان. ليست مجرد مدينة. إنها رائحة غامضة شديدة الالتباس. رائحة حمراء. لكن لا علاقة البتة لحُمْرتها بالدم ومجاريه الدلالية. إنها حمرة أخرى لا تُدرَك بالعين ولا يستوعبها قاموس الألوان. حتى الخياشيم لا تستطيع تمييزها. ومع ذلك فهي تزكم الكيان كله لتستدرج الخطى إلى المزيد من التيه.
مراكش ليست مدينةً. إنها يدٌ مبسوطة كما هو واضح من خريطتها التي لم يرها أحد... يد هائلة. يد كلها أصابع. أصابع طويلة، متعرجة، أخطبوطية...
يدٌ: متاه مكشوف، فوضى منظمة، جغرافيا لا تستطيعها البوصلات. تُولِجُ الدرب في الزقاق وتولج الزقاق في الدرب. دوامة ماكرة إذا ولجْتَها... وإذا أفلتَّ بخُطاك إلى كف المدينة / ساحة جامع الفنا، فلا تحسبنّ نفسك في مأمن من أصابع الأخطبوط.
مراكش يد التاريخ الممدودة فوق سرير الحوز وجامع الفنا راحتها الفسيحة. فيه يمكنك قراءة كل أسرار "الحمراء". لكنه كفٌّ كأصابعه غريبٌ. لا خطوط فيه. بدل الخطوط، تجد الدوائر والحلقات. كل "حلقةٍ" بئرٌ عميقة الغور... بلا قرار تقريباً. كف ليست كباقي الأكف التي يستطيع أتفه عرّافٍ أن يفضح عبر خطوطها طلعةَ المستقبل المتوارية جهة السبابة... كفٌّ يتجلى فيها الماضي بألسنته الكثيرة. ذاكرةٌ في راحة اليد.
هنا الهلالية والعنترية. وهناك الأزلية وحكايات ألف ليلة وليلة.
هنا المحتالون والعيارون وبائعو الحياة بالتقسيط.
وهناك المجذوب الشرقاوي "مول لحمام" يحذّر العالم والناس من النساء والشهوات ورياح القرن.
هنا التاريخ تُعاد كتابته من جديد. كل التواريخ تبدأ من جامع الفنا. وكل الجغرافيات أيضاً.
أعِدْ ترتيب معلوماتك أيها الزائر، ودع الساحة تدَّعي، ربما تمادت في صدقها: ستكتشف أن أبانا الأول آدم مراكشي قحّ وأن حواء من "آيت أورير" إحدى أحواز المدينة المتاخمة لها. وستعرف أن المدينة المنورة قد بُنيت في سالف العصر من طرف يثرب وزير سيف بن ذي يزن بإيعاز من الملك سيف نفسه، وأنه بعد بناء المدينة كتب الوزير وصية استأمن عليها يهودَ المنطقة راجياً منهم تسليمها لقُرَشي ذي أوصاف رملية سيظهر ذات يوم. وبعد أن اطمأنَّ على المدينة / الوصية غادرها ليرحل في ركاب سيف بن ذي يزن إلى مراكش حيث قضيا بها بضعة أيام، زارا خلالها ضريح سيدي بلعباس وصليا في "الكتبية" جمعتين، ويُحكى -والله أعلم- أنهما التقيا سعدون الزنجي بها.
هذه ليست حكاية. إنها متاهة محكمة الانفتاح. لذا تلزمك خيوط رفيعة لضبط المكان. يلزمك ضوء "ديوجين" لتجريد دهاليزها من بزّة الغموض المتجددة والتي تجعل منها فيالق وديعة تربض بين دفتي كتاب عظيم.
إنها الحكايا، بخرسها الفصيح، ما يقود المرء إلى الأبهاء الداخلية.
إنه صوتُ المدينة، فاكهتها العسيرة التي أثمرها سمَرُ رواة غامضين تواروا -جلّهم- غير بعيد عن الأسوار يتفرجون من مهاجعهم الأبدية على فعل صنيعهم في الوافد على المكان.
الحكايا صوتُ المدينة ومكياجها الفادح.
الحكايا غمازة المدينة، تلك التي من ضوء.
الحكايا سرُّ المدينةِ وهذه ليست مدينةً.
هذه عروس البر.
هذه سيرينة برية.
والنداء الذي يشتد -مثل موّال غامض- يشتد أبعد بكثير من بوابات المدينة.
إنه النداء العابر للقرون والقارات.
إنه النداء الذي يستدرج "الضحايا" من كل الأصقاع.
الحكايا سرُّ المدينة وهذه ليست مدينة. إنها الحكاية مغروسةً في كف التاريخ. ولأنها كذلك فهي أشد من القتل. هي الفتنة مبثوثة بين الأزقة والعرصات، بين الدروب والرياض. فتنة معلقة كفوانيس عليلة في سماء المدينة. فوانيس ماكرة توهم بالانطفاء، لكنها كلما ازدادت شحوباً أبصَرَ ليلُ المدينة واتسع مجال رؤيته.
فتنة تُعرِّش في ألسنةٍ دربةٍ لرواة سِهِّيرين، كلما أمعن الليل في الحلكة وطاف طائف "المعلوم" بكعبة الرأس صارت مؤخراتهم أكثر انجذاباً لجلسات باب الدرب، واستسلموا غير صاغرين "للتقشاب وتقرقيب الناب". كلّ مُصغٍ راوٍ مؤجل، ولكلٍّ أن يلقي في موقد السهرة ما استطاع من حطب الحكي. الليل سيد الزمن المراكشي والنهار حرث له. إنهم يحرثون النهار ليحصده الليل حكايا.
مقطع من الكتاب (2)
جامعٌ ليس كمثله جامع. هو بيت الله المعلق فوق رؤوس الخلق. ساحة الطواف المستفيض. كعبةُ كل الأجناس. جامع بمنابر رمزية تعلوها قامات لا تصدَّق. ولأن لكل جامع فناؤه الواسع، سواريه، وسقفه المنقوش، فإن لجامع الفنا ذات الركائز. الفناء الفسيح الرحب الذي يسع عالما من المغنين والشطاحين، الرواة والمجاذيب، اللصوص والعيارين، السمارين واللوطيين وأشباه الرجال، الحجامين وذوي الرقى والسحر. هؤلاء ومريدوهم الهاربون من مزاج التاريخ ينغرسون وسط الساحة واحات متباينة الظلال. فيما يُشكل "الحلايقية" أنفسهم السواري والأعمدة التي يرتفع فوقها هذا البناء الفخم. ولأن هذه الساحة الحمقاء تعد أعظم جوامع المدينة وأكثرها إشعاعا، فإن الضرورة فرضت أن يُنقش سقفها بشكل غير مسبوق. وكذلك كان. فسقف الجامع الكبير باذخ النقش، بل إنه عجيب التطريز: الأدعية والبذاءات. كلام الله ووصايا المجاذيب. الابتهالات الأكثر ضراعة واللغو المراكشي الحاذق، اللغو الأكثر مروقاً. لغط الباعة والشتائم المُمِضَّة التي يتراشق بها الأطفال في بهو الجامع دونما سبب واضح يستدعيها، اللهم رغبتهم في شحذ حراب الألسنة. أصوات لا شرقية ولا غربية. معانٍ متلاطمة الدلالات. تلكم جامع الفنا: ساحة اللغو الرفيع.
يحكي عبد السلام الصاروخ، أحد أعمدة الجامع الكبير، أنه حينما وطئت قدماه الساحة منذ أزيد من ثلاثة عقود، كان للتوّ قادما من إحدى الزوايا المتاخمة للمدينة، حيث حفظ القرآن ومختصر الشيخ خليل. وحاول لمدة ليست بالقصيرة أن يغرس لنفسه حلقة وسط لغط الساحة يقايض فيها آيات الذكر التي هضمها في خلوته بالزاوية بما يسد الرمق. لكن قامته الملحوظة وجسده القوي جعلا رواد الجامع/الساحة ينفرون منه ويتحاشون مجلسه، ذاك أن حضوره المفزع كان يذكِّرهم بالنار وحراسها مهما تحدث عن الأرائك والأنهار والولدان المخلدين. فما كان منه إلا أن توسط الساحة يوما وهو يحمل حمارا فوق كتفيه فأسرع الخلق من كل صوب يسابقون خطاهم الفضولية نحوه. وما أن استتبَّت الحلقة، حتى بدأ الصاروخ يُعرِّض بهم وبعقولهم الصغيرة: "منذ مدة وأنا أقرأ القرآن في قلب الساحة ولم يهتم بي أحد منكم... تتعامون عن كتاب الله، والآن تركضون للتفرج على أخيكم... صحيح لا يمكن أن يستدرج الحمير إلا حمار مثلهم..." ومنذ ذلك الحين، أضحى الرجل يبيع الاستعارات والمفارقات الفكهة والتعليقات الساخرة، ويساهم في نقش السقف بإزميل لا يشق له كلام.
مقطع من الكتاب (3)
مراكش نؤومُ الضحى
وقد استيقظت بعد سبات القرون:
هاهي الآن تتمطّى خارج أسوارها
فيما دواخلها الكسلى
مستسلمةً لمّا تزل
لتثاؤب لذيذ.
مراكش قوس:
لا سهام ولا كيوبيد..
بل عشاق وصرعى وعشاق.
مراكش: الوردةُ توأمُ النخلة.
مراكش حيلة الجغرافيا
إزاء بطش التاريخ.
مراكش جارية دائمة الصبا:
هل تشيخ جاريةٌ
سيدُها الزمن؟
مراكش ماءٌ في حِجْر النار.
مراكش: الفسيفساء أختُ الكلام
فصدق حواسك أو صدقها.
مراكش فاكهة عملاقة
في
أعلى
غصنٍ
من شجرة الصحراء.
مراكش:
صباحاً يحل الليل
ليلا يحل الصباحْ
فكل كلام مُباحٌ
ومباحْ.
مراكش:
حصتُها من البهاء
حصتهُ من نفسه.
مراكش:
عناقيد الأسرار
تنفرط إثر أول بوح.
مراكش:
عاصمة عباسية
لم يحكُمْها الرشيد
04 avril 2008
درب سان جرمان
تتشرف مدونة "المغربية " بنشر كلمات الاغنية الجديدة للفنان المغربي المتألق نعمان الحلو , والتي تحكي بعض أحوال مدينة مراكش ومعاناتها مع المستعمر الأجنبي , وظاهرة بيع الرياضات التي انتشرت كثيرا في المدينة الحمراء القديمة نتيجة ضغوطات الاغرء ات المادية المقدمة ...الأغنية تم كتابة كلماتها في شهر يناير من السنة الجارية , وهي قيد التلحين بتوقيع الملحن والمغني الرائع نعمان الحلو
http://www.nouamanelahlou.com/
الدرب اتباع
ودرب ...
كلو اتباع
اشراوه شي ناس
جاو من ورا لبحر
وعجبتهم لبلاد
وعجبوهم لعباد
وسكنو..ودكو لوتاد
مرحبا وميات آلف مرحبا
اشراو السكنات كاملين
دار وحدا بقات ليهم
احلف مولاها ما يبيع
ولا يخوي لمكان
ولو يعطيوه وزنها
ياقوت ومرجان
وبقى العربي ساكن
ابحال لغريب
فالدرب اللي كان سميتو
درب القنديل
واليوم اصبح سميتو
سان جرمان
مزيان آسيدي مزيان
![]()
اللي شرا شرا
وشرا بلحيلا
الديور اتصلحو
والدرب اتزوق بالحنة
والجير والنيلة
وتعلق علسوار
جودلخرصات كبار
وقنديل قديم دلفتيلا
وجاو لباب الدرب
وبناو فراسو باب
وحطو عليه لبواب
لابس فرجيا طويلة
بحال ألف ليلة وليلة
وبحال زمان
غرس دلحبق
وغرس دالسوسان
ورجع الدرب كيحمق
كيف بناوه جدودنا
كي خلاوه جدودنا
ارحمهم يا رحمان
حاجة وحدا تغيرات
الدرب كان سميتو
درب القنديل
واليوم اصبح اسميتو
سان جيرمان
مزيان آسيدي مزيان
![]()
العربي حلف ..ما يسمح فدارو
ولا يخوي لمكان
ولو يعطيوه وزنها
ياقوت ومرجان
الدنيا بالنسبة ليلو
عمرها ما كانت فلوس
وشان......ومرشان
زمان......
جدو كان بنى لمكان
وباه... نهار تزاد
غرس شجرة دالرمان
فوسط الدار فقلب السطوان
وكبرت الشجرة
وكبر العربي
ودار دورة الزمان
ويلا تهضر ديك الشجرة
كيفاش دار الزمان
وكيفاش داق العربي
طعم الحاجة والبؤس
والحرمان
ويلا تهضر داك الشجرة
وتحكي وتعاود
العربي مسكين..
فالليل
غي معى راسو يتهاود
ومللي يصبح الصباح
وتشوف العربي
ديما واقف
راسو مرفوع..
بعنفوان
والله العاطي.. . والله المنان
واليوم
جاو شي ناس
من ورا لبحر
واشراو السكنات كاملين
دار وحدا بقات ليهم
احلف مولاها ما يبيع
ولا يخوي لمكان
ولو يعطيوه وزنها
ياقوت ومرجان
وبقى العربي ساكن
ابحال لغريب
فالدرب اللي كان سميتو
درب القنديل
واليوم اصبح سميتو
سان جرمان
مزيان آسيدي مزيان
31 mars 2008
" الحلايقي" مهنة قديمة مهددة بالانقراض في مراكش
حان موعد العمل ومحمد الجابري يتوجه إلى «جامع الفنا» ـ الساحة الرئيسية في مراكش ـ والتي يطلق عليها
غالبا نقطة تقاطع كل الثقافات المغربية. وهو إذ يتقدم وسط الجموع، يضطر إلى حني رأسه قليلا ليمر بحواة الثعابين الذين يعزفون على ناياتهم، وقارعي الطبول والصنج والبهلوانات، وصيحات باعة الكباب حتى يتمكن من احتلال نقطة هادئة له. والجابري هو حكواتي مضى على ممارسته هذه الحرفة أربعون عاما، وكل يوم يقوم بمزج ما هو حقيقي بما هو ماض متخيل عن معارك قديمة تجري بين خيرين وشريرين سلاطين حكماء ولصوص محتالين. ولذا فهو لا يحتاج الكثير من العدة لعمله، وكل ما يستخدمه هو كرسي وبعض الرسوم الملونة. أما بقية عمله فيعتمد على أدائه، فهو يستطيع أن يجعل عينيه أكبر مما هما في الواقع وصوته يتضخم أو يتنعم حسب الحاجة. والجابري، 71 سنة، هو واحد من ثمانية حكواتية يقومون بالأداء الحي في منطقة مراكش الواقعة جنوب المغرب، لكن الكثير مثله يخافون من أن يكون جيلهم هو الأخير. وهؤلاء الرجال ينتمون إلى مرحلة سبقت الراديو والتلفزيون والمسارح والسينمات والهواتف والإنترنت الذي راح ينقل الأخبار والقصص والتسلية إلى قرى المغرب ومدنه النائية. مع ذلك، فإن شخصا مثل الجابري ما زال قادرا على تحدي الأجهزة الإلكترونية. يقول الحكواتي شارحا لزائر وقف بالقرب منه «بعض الناس يشعرون بأن التلفزيون بعيد جدا عنهم. وهم يفضلون أن يقوموا بتماس حقيقي وهم يفضلون سماع قصص حية». وهذا ما يفعلونه عند العصر حيث بدأ الجابري بسرد حكايته عن فتاة تسقط في الحب مع ناسك. لكن الناسك يرفضها باعتبارها رسولا للشيطان فتقيم علاقة مع راع، وحينما حملت قالت إن الطفل هو ابن الناسك. ومع تقدم الحكاية خلال الساعة اللاحقة جرت انعطافات غير متوقعة في خط القصة. وكان الجمهور متكونا من رجال فقط جلس بعضهم على الأرض يستمع بينما كان بعضهم يتكئ على دراجاته. وليس مفترضا أن تقف النساء هناك للاستماع إلى قصص «فاجرة» كتلك. وقال الجابري لاحقا «الشباب يحبون القصص من ألف ليلة وليلة لأنها اكثر انفتاحا. أما كبار السن فيحبون القصص حول حياة الرسول الصحابة. وهم يحبون قصص الحروب والمعارك بين المسلمين والفرس أو بين المسلمين والروم. كذلك يحب الناس المعجزات مثل إشفاء المسيح للأعمى». وقال بعض المتابعين للعادات المحلية إن القصص هي مزيج من حكايات شعبية ودينية من منطقة البربر والتقاليد العربية. وترعرع البيولوجي محمد الحوزي بالقرب من الساحة، وقال إنه يحب المشهد المتغير للمشعوذين والموسيقيين والحكواتيين، وقال «قد أتوقف هنا ليلا حينما أشعر بحاجة لقليل من الراحة. أنت تستطيع أن تأكل أو تضحك أو أن تجعل جسدك يطلى أو يتم تثبيت أسنانك هنا». واستمع الحوزي الى قصص لا تحصى هنا، وحتى عندما يعرفها فانها نادرا ما تبدو القصص ذاتها. وقال إن السحر هو في طريقة القص، وقد يتغير المزاج وفقا لبراعات الراوي او هتاف الجمهور وصراخه، وقد تكون القصص ذات معنى اخلاقي أو هزلي أو ساخرة. وقال الحوزي انه «غالبا ما كان هناك من يقلد الطريقة المفتعلة لمقدمي برامج التلفزيون. ويجعل الجمهور ينفجر ضحكا». وخوان غويتيسولو، مهاجر أوروبي نادر، يتحدث العربية باللهجة المغربية ويفهم رواة القصص، وهو كاتب اسباني بارز يعيش هنا منذ السبعينات ويكرس طاقاته لساحة جامع الفنا وفنانيها. وقال انهم ألهموه روايته «مقبرة». وفي مقهى يطل على الساحة كان يتحدث بإعجاب حول «الأساتذة القدامي» الذين عرفهم، وارتجالاتهم والحيل التي يستخدمونها لاجتذاب جمهورهم. وقد يبدأ البعض بشجار مفتعل لاجتذاب المستمعين. وقال ان فلان، الشاب القوي جدا والمُتوفى الآن، كان بوسعه رفع حمار في الهواء. وبينما يبدأ بالنهيق يأتي الناس راكضين. وكان يصرخ في الحشد: أيها الأغبياء. عندما أتحدث عن القرآن لا يصغي أحد، ولكنكم جميعا تسرعون في الإصغاء الى حمار». ويمكن ان يصرخ راو آخر اذا ما رأى ان الجمهور قليل، فيقول «كل اولئك الذين لعنهم آباؤهم يجب ان يغادروا. وبالتالي، فان الجميع يبقون ويدفعون». وظل غويتيسولو القوة الدافعة التي تقف وراء الحركة الهادفة الى حماية الساحة، التي يصفها باعتبارها «فضاء ثقافيا غنيا وعظيما يواجه خطر الإغراق من التجارة وضغوط التنمية». وقد أفلحت المجموعة في السنوات الأخيرة في اعاقة مشاريع مثل اقامة برج زجاجي طويل ومكان لوقوف السيارات تحت الأرض. ومنعت حركة السيارات في الوقت الحالي تماما. وتم الحصول ايضا على مساعدة من اليونسكو التي اعتبرت الساحة جزءا من «تراث البشرية الشفاهي والقيم» عام 2001. وخلال السنوات القليلة الماضية، استخدم الطلاب الفيديو لتوثيق المشاهد والأصوات في الساحة، وقام بعض الرواة بزيارة المدارس. وقال غويتيسولو ان ذلك كان يهدف الى «تعريف الأطفال بأن هناك ما هو أكثر من البرامج المعلبة التي يشاهدونها في التلفزيون». ولكنه يشعر بالقلق من أن الأساتذة القدامى يموتون وما من احد يحل محلهم. وقال الجابري انه في شبابه كان من الأيسر على راوي القصص ان يحصل على رزقه. وعلى الرغم من أنه نادرا ما كان يقرأ ويكتب، فقد تعلم حرفته عبر الإصغاء الى المعلمين الكبار وتقليدهم. وأخيرا، فانه كان يريد ان يرى العالم ويروي قصصه في أماكن أخرى بعيدة غير الدار البيضاء وفاس ومكناس. ولكن السياحة الأجنبية جلبت التضخم في الوقت الحالي. وبحصوله على دولارين أو ثلاثة، لم يعد يمكنه توفير أجرة الحافلة للسفر أو دفع اجرة المنام، وهو يرى التغيير حوله من كل جانب. وبعض زملائه مرضى وتوقفوا عن المجيء. وأمام اثنين من المبتدئين يعملان في مراكش طريق طويل للذهاب الى هناك. واذ يخيم الغروب على الساحة نجد الجابري يواصل الرواية وقد وصلت قصته الى لحظة حاسمة، فالشابة الحامل والناسك والراعي كلهم دُعُوا ليحكم عليهم الملك. والملك يبلغ الناسك انه سيقطع رأسه ولكن يمكنه ان يقول أمنية اخيرة. وفي هذه اللحظة يتوقف الجابري فجأة ويقترح أن يدفع جمهوره المأخوذ بالحدث مبلغا حتى يمكنه الاستمرار، وهو يجمع نقوده، ويعبر عن البركة، ويعلو صوته وتتسع حدقتا عينيه، وهو يواصل قصته، حيث الطفل يتكلم وينقذ الناسك الذي يقع في حب الشابة. وتختتم القصة بنهاية سعيدة
20 mars 2008
الدقة المراكشية
19 mars 2008
تاريخ مراكش
تُعرف مراكش المغربية بأكثر من اسم ولقب، فهي "مراكش" تاريخاً، و"الحمراء" لوناً، و"البهجة" نكتةً ومتعةَ حكي، وهي مدينة السبعة رجال و"مول لبلاد": يوسف
بن تاشفين.
وتتميز مراكش بأسوارها وأبوابها وحدائقها: أسوار مراكش حمراءٌ، يستحضر من خلالها الزائر وابن المدينة التاريخَ بأسمائه وتواريخه وأحداثه، أما حدائقُها فتجمع عطر الورد بوقار النخيل.
وتنتمي مراكش، في نفس الوقت، إلى الأطلس الشامخ البيضاء قممُه، وإلى الصحراء الساخنة برمالها وكثبانها: الأطلس جبالٌ في خلفية المشهد تركن بالمدينة إلى الثلوج والوديان، أما الصحراء فنتعرف عبرها على ذكريات وأيام جِمال وخيول وفرسان ملثمين.
مراكش هي، بنظر الكثيرين، واحةٌ أكثر مما هي مدينة، ورغم أنها لا تقع داخل الصحراء، فإنها تنتمي إليها، إذ تتنفس سخونة الشمس وروعة الطقس الدافئ.
وكانت ارتفعت الأسوار الحمراء في مراكش أول مرة لترافق بنايات تشكلت بها المدينة مع المرابطين الذين ركبوا خيولهم وجمالهم في اتجاه الشمال قادمين من جنوب الصحراء، قبل أن تتواصل الرحلة ويتعزز السلطان لتصل خيولهم إلى الأندلس، التي تركوا بها نخيلاً يُذكر، إلى اليوم، بنخيل مراكش.
كان هذا، قبل أن يبني الموحدون، على الضفة الأخرى، صومعة الخيرالدة بنفس لون صومعة الكتبية بمراكش.
وفي مراك
ش، يبدو اللون الأحمر والنخيل الممتد في كبد السماء كما لو أنه يتكفل بالترحيب بزائر المدينة، سواءٌ جاءها عبر طائرة تنزل من فوق أو راكباً قطاراً أو حافلة. واللون والنخيل يتجاوران في مراكش، مع شعور غريب يتملك القادم إليها من دون أن يستطيع إلى وصفه سبيلاً، مهما حاول، الشيء الذي قد يجبره على معاودة الزيارة أملاً في القبض على ما يبني لذلك الشعور الغريب ويؤثث له. بعضُ الزوار يتخلون عن ألقاب مراكش المعروفة، ليستبدلوها بتسميات وألقاب خاصة بهم، يربطون بها مع هذه المدينة الساحرة علاقة عشق فاتنة، فتصير هي "الفردوس الأفريقي"، عند البعض، كما قد تصير الكتبية هي "برج إيفل مراكش"، عند البعض الآخر.
ورغم أن مدينة مراكش قد توسعت معماراً، فإنها قد حافظت على نوع من التجانس المطلوب وهي تتوسع في الجغرافية المحيطة بأسوارها وأحيائها ودروبها العتيقة. الأمر، برأي البعض، يشبه "المعجزة"، في استحضار لكل التخريب الذي طال كثيراً من المدن العتيقة عبر العالم. فهل هي غواية وسحر المكان ما جعل الفرنسيين أيام الاستعمار يوظفون نفس المواد الحمراء لبناء مقرات المؤسسات العمومية، حيث نكون مع التخطيطات المستطيلة، والمكعبات الجميلة، والأقواس العربية، والأعمدة النحيفة التي نصادفها في مساجد المدينة العتيقة أو في قصبات الأطلس؟
من المؤكد أن كل الكتابات التي تناولت مثل هذه الأسئلة ظلت تخرج بنفس الاقتناع بصدد الحظ الذي توفر لمدينة مراكش.
من جهته، الحاضر يعلن أن المدينة تتمدد في الجغرافية المحيطة بها بشكل متسارع، ورغم كل الكلام الذي قد يثار عن استراتيجيات هذا التوسع، تبقى الفتنة المرتبطة بثلاثية الألوان (الأزرق/ السماء، والأخضر/ النخيل والحدائق، والأحمر/ الأسوار والبنايات) تُراكم إعجاب الزوار، فيما تهيمن على بانوراما المدينة، متخذة من انتصاب صومعة الكتبية، جنب ساحة جامع الفنا الشهيرة، مقياساً لضبط المسافات.
لكن، الجميل أنه سواء تعلق الأمر بمنازل الميسورين، أو بمنازل متوسطي الحال أو الفقراء، أو بمقرات المؤسسات العمومية والخاصة، فإن كل البنايات ظلت تتقاسم نفس اللون الذي غطت به المدينة حيطانها ونفسها أول مرة مع مؤسسها يوسف بن تاشفين.
والحمرة في لون مراكش ليست من نفس المميزات والحدود التي تلخص لكل الألوان التي نميزها
عن بعضها بعضا حين نتحدث عن الأحمر في علاقة بالأصفر والأخضر والأبيض والأزرق، مثلاً. الحمرةُ، هنا، في حكاية مراكش، هي بمقياس لون صومعة الكتبية وتراب الأرض التي شيدت عليها المدينة، وهو التراب الذي انتصب، منذ البداية، أسواراً ودوراً وصوامع.
كل بنايات مراكش حمراء اللون. الكثيرون لايتوقفون عند الاختلافات البسيطة التي يمكن ملاحظتها على مستوى لون هذه البناية أو تلك. والواقع أن اللون الأحمر الذي يمنح المدينة لقب المدينة الحمراء ليس لوناً واحداً في خصائصه، بل هو يتعدى العشرين اختياراً في تنوعه وأشكاله التي تشترك كلها في الاقتراب من لون الطين. ومن بين الاثني وعشرين اختياراً في الألوان تشتهر تسعةٌ منها فقط بين الناس، وهي "أحمر مراكش" و"أحمر المامونية" و"أسمر طان طان" و"وردي الكتبية" و"وردي المأمونية" و"أسمر مامونية" و"أحمر خنيفرة" و"أسمر الصحراء" و"سومون الناظور". "أحمر مراكش"، على مستوى الألوان، يمكن في بعض الاقتراحات والاختيارات أن يقترب من البني الغامق، كما في "ورزازات" و"الناظور"، كما يمكن أن يتحول إلى بعض الصفرة الفاتحة، مثل "أصفر أوكسيد" و"أصفر كْريم" و"أسمر فوسفاط". كما أن هناك ألواناً وأشكالاً لونية أخرى تأخذ من كل هذه الألوان انطلاقها وتوحدها مع لون الطين، مثل "وردي البركة" و"وردي الناظور" وأسمر المتوسط" و"العاجي المفتوح" و"كْريم الناظور"، مثلاً.
وللون الأحمر المراكشي
تنويعات تعارفَ عليها أهل المدينة وسكانها الجدد، كما أن له، أيضاً، نصوصاً قانونية تحميه، لعل أهمها إشارة وردت في "قرار بلدي مستمر" يحمل توقيع الباشا الكَلاوي، ويعود إلى سابع يونيو 1939، وكان وُضع "لتحسين المدينة والبناءات والطرق".
الفقرة الوحيدة التي تتحدث عن لون مراكش، تأتي تحت "الباب الثامن"، الذي يحمل عنوان "تنظيف وتجيير وإصلاح الواجهات"، ضمن الفصل 153، حيث نكون مع عبارة من جملة واحدة تختصر تاريخ المدينة وتحافظ على امتداده في الحاضر، حيث نقرأ : "فإن حيطان العقارات المبنية بالحجر والبوصلانة يجب أن تُلون بلون يقرُب بأكثر ما يُمكن للون الآجور والطين".
ويبدو أن "القرار البلدي المستمر" لم يفعل أكثر من حفظ سيرة واختيارات المرابطين المؤسسين الذين جعلوا طين المكان مادة ولوناً للبناء والزينة. لكن، الفرق الوحيد يبقى هو في مادة البناء، فإذا كان الطين مادة بناء مع المرابطين المؤسسين ومن تلاهم من الأسر التي تعاقبت على حكم المدينة والناس الذين عمروها وسكنوها، فإن سنوات الاستعمار والتطور على مستوى مواد البناء قد نقلنا إلى الحجر و"البوصلانة" (أي الإسمنت). لكن الجميل أن وصولنا إلى الاسمنت، بحسب مضمون القرار البلدي المستمر، لن يكون سبباً للتخلي عن الطين لوناً وتميزاً وذاكرة.
ورغم أن حمرة المباني ليست خاصة بمراكش وحدها، إذ ان هناك مدناً وقرى يتوزعها الجنوب المغربي بكامله، مثل قلعة السراغنة وتارودانت وخنيفرة، حمراءٌ مبانيها أيضاً، فإن شهرة اللقب واللون ظلت من نصيب مراكش، لأنها الوحيدة التي نبع لون حيطانها من لون ترابها وطينها، ولأن اللون الأول ظل يحتفظ لزمن التأسيس بكامل البهاء وللمؤسس، يوسف بن تاشفين، بكامل الأرقام التي تنقل للتاريخ وأحداثه.
واليوم، لايتخيل المراكشيون م
دينتهم بلون آخر غير اللون الأحمر، الذي عرفت واشتهرت به. فهل هي العادة والألفة التي جعلتهم يتوجهون بأعينهم إلى لون يقترب من لون بشرتهم المتآلفة مع الشمس التي تسكن سطح المدينة معظم العام؟ أم هو الدفء الذي قد يلخص له هذا اللون الساخن؟ أم هو الوفاء لـ"مول (سيد) لبلاد" يوسف بن تاشفين، وهو يضع الأساس لأول بناء في هذا المكان الذي صارت تؤمه أفواج السياح من كل فج عميق، والذي تنقل كتب التاريخ أنه كان عبارة عن "موضع صحراء رحب الساحة، واسع الفناء ... خلاءٌ لا أنيس به إلا الغزلان والنعام، ولا ينبت إلا السدر والحنظل"؟
كانت هذه خريطة مراكش قبل أن يحفر يوسف بن تاشفين الآبار ويجلب المياه، وقد حدث هذا قبل نحو ألف عام.
في مراكش يبدو لون المباني كما لو أنه تتويج جميل لمجهود بناء يبتدئ مع وضع الأساس، قبل أن يغادره العمال وقد جعلوا اللون زينة تؤكد انتماء البيت للمدينة التي تحتضنه. اللون الأحمر، بهذا المعنى، يتحول إلى شهادة اكتمال البيت، كما يصير شهادة قبول ورقماً وعنواناً يُضافان إلى باقي أرقام وعناوين بيوت دروب وأحياء المدينة المترامية الأطراف.
ومراكش بغير لونها الطيني لن تكون هي مراكش التي تسحر زوارها
وتغمرهم بدفئها. ويقول عمر الجازولي، عمدة المدينة، جواباً عن سؤال لـ"الشرق الأوسط"، عن كيف ستكون مدينة مراكش بغير لونها، وكيف ستصير وهي تتلبس لوناً آخر غير اللون الأحمر الذي عرفت به، إن "مراكش لن تكون جميلة". وفي الحقيقة، فعمدة المدينة كان صمت لبعض الوقت قبل أن يجيب بدارجة تختصر جواباً يختصر بدوره قيمة اللون الأحمر الذي يميز المدينة : "ستكون مراكش مدينة "خايبة".
وعن سؤال "إذا خرج أحد السكان عن الإجماع الأحمر والمألوف وركب رأسه فصبغ منزله باللون الأبيض، مثلاً"، أجاب عمدة المدينة، بنفس روح النكتة المعروفة لدى المراكشيين: "سنركب سياراتنا وسنزوره وسنصبغ له منزله باللون الأحمر وفق المواصفات المعروفة، وسيقوم هو بأداء مقابل الصباغة وأتعاب الصباغين
18 mars 2008
حدائق ماجوريل....جمال يفوق الخيال
تعتبر حديقة ماجوريل، اليوم، إحدى أهم معالم مراكش السياحية،وهي سميت كذلك نسبة إلى
الرسام الفرنسي جاك ماجوريل،حيث حلّ جاك ماجوريل بمراكش لأول مرة عام 1919، حيث وجد السحرالملائم ليواصل مهنته كرسام. ولما حصل على قطعة أرضية عام 1924عمل على إقامة الحديقة المعروفة اليوم بحديقة ماجوريل، والتي تم افتتاحها عام 1947 لاستقبال الزائرين
تعتبر حديقة ماجوريل، برأي الكثيرين، من أكثر الحدائق سحراً،حيث يجدون فيها مكاناً للتعبير الفريد والقوة الروحية الخلاقة،من جهة أنها تزخر بثروة هائلة من نباتات تم تجميعها من القارات الخمس،تتجاور فيها أشجار النخيل والصبار والخيزران ونباتات نادرة أخرى تختصر العالم في حديقة ينقلك التجول بالحديقة عبر تشكيلة متنوعة من المسالك المفتوحة على مشاهدات رائعة هي أهم ما يميز الحديقة الواقعة على مقربة من باب دكالة وشارع علال الفاسي. الزنبق المائي واللوتس والبردي وغيرها من النباتات المائية
، تنمو في أحواض الماء الصافي، فيما الكراسي تؤثث للمكان بما يضمن الجلوس والاستمتاع الكامل بجمالية المكان وروعة اللحظة.
وكان جاك ماجوريل قد قام في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي بصباغة مباني الحديقة بلون أزرق ناصع: أزرق ماجوريل. لكن أزرق ماجوريل ليس اللون الوحيد الذي تتلون به الحديقة، فهناك ألوان أخرى تتناسق وتتجاور ما بين الأصفر والأخضر وغيرها، غير أنها تتميز بكونها ألوانا تخص الحديقة وتتميز بها، حتى أننا يمكن أن نطلق عليها أصفر ماجوريل وأخضر ماجوريل، مثلاً، زيادة في التنويع والتأكيد على استثنائية وجمالية الألوان التي تزين الحديقة وترتب لها, بعد فترة من موت جاك ماجوريل، إثر تعرضه لحادثة سير عام 1962، سيقوم إيف سان لوران، وبيير بيرجيه بتملك الحديقة، حيث سيعملان على ضمان استمرارها فضاءً مفعماً بالحياة، أما المرسم الذي بناه ماجوريل لنفسه عام 1931 فقد صار اليوم يحمل اسم متحف الفن الإسلامي، وهو يوجد داخل الحديقة.
زوار الحديقة هم في معظمهم من زوار مراكش. سياح أوروبيون وأميركيون، بالأساس. المغاربة لا يزورون
الحديقة إلا نادراً. هناك من يرجع السبب إلى ثمن الدخول المحدد بـ30 درهماً )4 دولارات التي قد تضاف إليها 15 درهماً )دولار ونصف(، كمقابل لزيارة متحف الفن الإسلامي قيمة الحديقة تبرز في قدرتها على الاستمرار وإمتاع السياح بمشاهدات أخرى تنوع لزيارتهم لمراكش، حيث ينتقل السائح من المآثر التاريخية بذكرياتها وبهائها إلى أسواق مراكش، وسحر ساحة جامع الفنا، ليجد نفسه داخل فضاء كله خضرة ومتعة تنقل لمشاهدات يخيل إليك معها كما لو
أنك تتمشَّى عبر تفاصيل لوحة فنية بألوانها وشكلها وإطارها.
داخل الحديقة، هناك أيضاً محل لعرض وبيع المصنوعات التقليدية، التي تأخذ طابعا وشكلا ولونا يؤرخ لزيارة حديقة استقبلت نباتات العالم، فمكنت مراكش من هامش آخر لإمتاع زوار صاروا يتوافدون عليها من مختلف الجغرافيات واللغات والديانات والأعراق..
المجلس أدى عن الكوكب 634 مليون فواتير ماء وكهرباء
لم يتمكن عمدة مدينة مراكش، عمر الجزولي، من كبح غضبه خلال الدورة الأخيرة للمجلس الجماعي لمدينة مراكش، والتي انعقدت الأربعاء الماضي 2008/02/26، لما أثير موضوع دعم الكوكب المراكشي
من قبل بعض المستشارين الجماعيين.
وقد رد الجزولي بحدة، وهو يتلفت يمينا ويسارا، باحثا عن نائبه محمد نكيل عضو المجلس، وعضو الكوكب في الآن ذاته، ليؤكد له أو من خلاله كشاهد على أن المجلس لم يأل جهدا في مساندة الكوكب ودعمه ماديا ومعنويا.
وقال الجزولي لمنتقديه بأن المجلس أدى عن الكوكب ما مجموعه 643 مليون سنتم، هي مجموع فواتير الماء والكهرباء منذ سنة 2004، وإذا أضيف إلى هذا الرقم ما قدمه المجلس كمنحة لموسمين متتاليين، وهو 115 مليون سنتم و100 مليون سنتم، يصبح مجموع ما قدمه المجلس الجماعي للكوكب في ثلاث سنوات هو 843 مليون سنتم، هذا عدا ما ظل بعض أعضاء المجلس يرددونه طيلة السنوات الماضية من أن المجلس يتنازل للكوكب عن عائدات مباريات الملعب، ويوفر المستخدمين والخبرة. وكان الجزولي نفسه قد صرح خلال إحدى المقابلات مع الصحافة، بأنه أيضا وضع رهن إشارة الكوكب مهندس المجلس في إشارة إلى بنشقرون، الذي كان شبه متفرغ لتسيير الكوكب، قبل استقالته على إثر سقوط الفريق إلى القسم الوطني الثاني.
إلى ذلك فقد أصبح موضوع الماء والكهرباء والديون التي تراكمت على المركبات الرياضية، إحدى أهم القضايا التي تشغل الرأي المراكشي عامة، والرياضي على وجه الخصوص. وكان أبرزها الديون التي تراكمت على القاعة المغطاة إدريس بن شقرون، والتي أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي والماء، ثم الديون التي تراكمت على الملعب المحمدي، والآن يتم الحديث عن ديون خاصة بملعب الحارثي، حيث قال الجزولي خلال المجلس أن الكهرباء انقطع أو سينقطع، مضيفا في رده على بعض المستشارين، بأن المجلس مستعد لتحمل مصاريف مختلف المؤسسات الرياضية بمراكش، شريطة أن تعود إلى وصاية المجلس، وطالما أن مجالس المقاطعات أصبحت عاجزة عن أداء مستحقات الكهرباء والماء بها.
وحسب المراكشيين، فمن المنتظر أن يثار موضوع الماء والكهرباء، وما يرتبط بتسيير المركبات الرياضية طيلة الفترة القادمة التي تفصلنا عن الانتخابات الجماعية، ذلك أن هذا الملف سيستعمل من طرف الجميع لتوسيع قواعدهم الانتخابية، واستمالة الفرق الرياضية بالأحياء الشعبية من جهة، كما سيستعمل أيضا من طرف البعض للنقد والطعن في إنجازات البعض، واتهامهم بالتقصير في دعم الرياضة، وعدم توفير الشروط الضرورية داخل المركبات لممارستها، وهذا من شأنه في المقابل التقليص من شعبية هؤلاء.
وعلى العموم، فإن ما يخلص إليه المراقبون للشأن الرياضي المراكشي، هو أن المبالغ الهائلة التي تصرف على الرياضة بمراكش، سواء كانت مالا مباشرا أو كهرباء أو ماء أو أطرا أو مركبات أو خدمات، لا يترجم إلى نتائج متميزة ترفع سمعة الرياضة المراكشية. إذ أن نتائج أغلب الرياضات متواضعة، وأبلغ مثال على ذلك، الكوكب الذي يعرف منذ زمن ليس بالقصير، بأنه الطفل المدلل لمؤسسات مراكش العامة والخاصة، ويصرف مبالغ هائلة، في حين أن نتائجه متواضعة ومضطربة، وهو اليوم يقاتل من أجل الابتعاد عن المراتب الأخيرة في بطولة القسم الممتاز لهذا الموسم
الآفاق الرياضية











